السيد كمال الحيدري

88

معرفة الله

وإنّ هذا العدوّ الخارجي يحتمل المصالحة أو التوافق معه ، وهذا بخلاف الجهاد الأكبر فإنّ العدوّ المواجه فيه باطنياً يجري فينا مجرى الدم « 1 » ، فضلًا عن الأعداء الخارجيين ، شَيَاطِينَ الإنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض زُخْرُفَ الْقَوْلِ . . . « 2 » ، وإنّ المعركة فيها مفتوحة دائماً لا هوادة فيها ؛ ما يعني أنّ المراقبة والمواجهة والانتباه والحيطة والحذر ستبقى قائمة على قدم وساق ، وأنّ الخسارة فيها لا تُعوّض البتّة ، وأنّ النصر فيها حقيقيّ لا يشوبه الوهم لأنّه يعني بلغة القرآن الكريم الزحزحة من النار فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ . . . « 3 » . ولأجل هذه النكات والفوارق الجوهرية بين الجهادين نجد الباري جلّ وعلا يُقسم أحد عشر مرّة في سبع آيات من سورة الشمس لينتهي بعد أقسامه الأحد عشر إلى قضيّة الجهاد الأكبر مُعبِّراً عنه بقوله المبارك قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا « 4 » . إنّ النصر في الجهاد الأصغر هو نصر للإسلام والدِّين الظاهري ، وأمّا النصر في الجهاد الأكبر فإنّه نصر للإيمان والدِّين الواقعي . إنّه انتصار الملكوت على الملك ، والحياة الخالدة على الموت ، والحرّية الحقّة ( عبودية الله المحضة ) على العبوديات الزائفة ؛ عبوديات المادّة والهوى والنفس . إنّها الطهارة الكبرى والهجرة الحقّة من بيت المادّة والملك إلى عالم الروح والملكوت ، ومن الظلمة إلى النور ، حيث يُطهَّر الباطن من كلّ رجس ، لتبدأ

--> ( 1 ) عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله أنّه قال : « إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم » . انظر : عوالي اللآلي ، مصدر سابق : ج 1 ص 272 ح 97 . ( 2 ) الأنعام : 112 . ( 3 ) آل عمران : 185 . ( 4 ) الشمس : 9 .